المنجي بوسنينة

262

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

وزاد من شهرته تعففه الزائد من التكسّب والارتزاق من مزاولة عمله الطبي ، فكان يعالج المرضى بدون استثناء ويصف لهم الأدوية والعلاجات اللازمة مجانا بدون أجر ، احتسابا لوجه الله تعالى ، فضرب أروع الأمثلة في الإيثار ومنفعة الآخرين ، على الرغم من العروض المغرية التي كانت تعرض عليه من علية القوم والأمراء ، للعمل معهم ضمن صحبتهم أو حاشيتهم ، وأن يلتزم بمرافقتهم ، مقابل مكافآت ضخمة ، ولكنه كان يرفض ذلك بإباء كما يذكر ابن أبي أصيبعة : « وطلبه الملك العادل أبو بكر بن أيوب وغيره ليخدمهم ويبقى معهم في الصحبة فما فعل » [ عيون ، ص 682 ] ، معتبرا بأنّ عمله الطبي يحتم عليه تقديم خدماته مجانا للمرضى بدون مقابل ، والجدير بالذكر أنّ بعض الأطباء العرب القدامى كانوا ينحون هذا المنحى ، ويكرهون التكسّب بصناعة الطب ، كما قال أبقراط : « فلذلك لا يفي شيء وإن كثر بأجرة الطبيب ، ولكن على الله عزّ وجلّ ، وما حصل له فينبغي أن يكون على وجه الهدية والصلة » [ مقالة في التطرق بالطب إلى السعادة لعلي بن رضوان ، تح . سلمان قطاية ، مجلّة تاريخ العلوم العربية ، م 2 ، ع 2 ، 1978 ، ص 68 ] . كما كتب الطبيب عبد الودود بن عبد الملك ، عاش في أوائل القرن السادس الهجري « رسالة في ذم التكسّب بصناعة الطب » [ مختارات من المخطوطات العربية النادرة في مكتبات تركيا ، إعداد رمضان ششن ، منشورات مركز الأبحاث للتاريخ والثقافة والفنون والثقافة الاسلامية ، استانبول 1997 ، ص 585 ] . وامتثالا لهذا الاتجاه ، كان كمال الدين الحمصي يتردّد إلى البيمارستان الكبير النوري الذي أنشأه الملك العادل نور الدين زنكي ( ت 569 ه / 1174 م ) لمعالجة المرضى مجانا ، حتّى ألزم بأن يأخذ جامكية ( وهو ما يرتب من مال ومطعم وملبس وغير ذلك لمماليك السلطان ، ويقال أيضا لرواتب الموظّفين والمدرسين ) [ نزهة النفوس والأبدان في تواريخ الزمان ، الخطيب الجوهري ، وزارة الثقافة ، مركز تحقيق التراث ، دار الكتب ، مصر ، 1970 ، 1 / 350 ] وجراية ، واستمرّ يعمل فيه حتّى وفاته . واعتمد كمال الدين الحمصي في أكثر معيشته ومورد رزقه على التجارة ، فقد كان محبّا لها ، واستطاع أن يجمع بين التجارة والعمل الطبي من غير أن يشتط أحدهما على الآخر ، وقد حصل على مكانة اجتماعية مرموقة ، وكان احتراف الطب إحدى الوسائل لدخول الخاصة ، وهذا يعود إلى أنّ الحكام كانوا يخافون على صحّتهم ، ويحرصون على وجود الأطباء بجوارهم دائما . وكعادة أطباء بلاد الشام في القرن الخامس والسادس الهجري ، افتتح كمال الدين الحمصي دكانا في سوق الخواصين [ ولاة دمشق في عهد المماليك ، محمد أحمد دهمان ، دار الفكر ، دمشق ، 1984 ، ص 105 ، حاشية 2 ] ، وهي أشبه بالعيادة الخاصّة المعروفة في وقتنا الحاضر يستقبل فيها المرضى ويعالجهم ، ولا يمنعه ذلك من ممارسة أعماله التجارية فيها ، وأن تكون في بعض الأحيان مقرّا لاجتماع العلماء ورجال الأدب والفكر ، ووصف بأنه من الفضلاء